الجري في المسارات الطبيعية (TRAIL RUNNING)
المفهوم والتاريخ والفوائد
ماذا نقصد بالجري على المسارات الطبيعية ؟
ماهي الرياضات التي قد تتقاطع مع هذه الرياضة؟
ماذا عن مسمى عداء جبلي ؟
متى بدأت هذه الرياضة ؟
كيف تطورت سباقات هذه الرياضة في العالم؟
ماهو واقع العالم العربي في هذه الرياضة؟
ماهي فوائد الجري في المسارات الطبيعية ؟
مجموعة منشورات تثقيفية من الدكتور طارق البهلال عن رياضة الجري في المسارات الطبيعية برعاية متجر المغامرين advsto.

ماذا نقصد بالجري على المسارات الطبيعية ؟
الجري على المسارات الطبيعية أو ما بات يعرف عالمياً بـ "TRAIL RUNNING" رياضة تمارس بعيداً عن الطرق المعبدة، إذ يشق المشاركون طريقهم عبر تضاريس متنوعة: جبال وتلال، غابات وصحاري، أودية وسهول مفتوحة، وعلى خلاف الجري على الطرق "ROAD RUNNING" والذي يجري على أسطح مستوية ومعدة، يكتسب الجري على المسارات الطبيعية هويته من حضور الطبيعة بكل تعقيداتها؛ فالارتفاع يتبدل، والأرض تتغير بين صخر وطين وجذور أشجار، وكل خطوة تستدعي يقظة مختلفة.
وقد عرف الاتحاد الدولي للجري على المسارات (ITRA - INTERNATIONAL TRAIL RUNNING ASSOCIATION) هذه الرياضة بأنها: "رياضة جري في بيئة طبيعية مفتوحة، لا تتجاوز فيها الأسطح المعبدة عشرين بالمئة من إجمالي المسار" [2023 ,ITRA].
وهذا التعريف في دقته يرسم معيارا محددا لهذه الرياضة وانتمائها الحقيقي للطبيعة.

ماهي الرياضات التي قد تتقاطع مع هذه الرياضة؟
تتقاطع هذه الرياضة في ظاهرها مع أنشطة أخرى كالمشي في الطبيعة (HIKING) والرحلات الممتدة (TREKKING)، غير أن لكل منها طابعه المختلف.
فبينما يعنى المشي في الطبيعة (HIKING) بالاستكشاف الهادئ في رحلات يومية، وتنصرف رحلات (TREKKING) إلى المسير متعدد الأيام، يجمع الجري على المسارات بين السرعة والتحمل في آن واحد. وقد يكون تدريبا يوميا خفيفا، أو منافسة تمتد عشرات الكيلومترات عبر تضاريس وعرة.

ماذا عن مسمى عداء جبلي؟
شاع مصطلح بين العدائين العرب، وهو "العداء الجبلي": وهو من وجهة نظري مصطلح يضيق دلالة الرياضة ويحصرها في بيئة واحدة، في حين أن الجبل ليس إلا نوعا من أنواع التضاريس التي تمارس فيها. ولم أجد في اللغات الأخرى ما يقابله؛ إذ لا يستخدم سوى مصطلح "TRAIL RUNNER"، ومعناه الحرفي والدقيق عداء مسارات طبيعية. وهو الأوفق لأنه يعكس تنوع البيئات التي تمارس فيها الرياضة، ولا يقيدها بتضاريس بعينها.

متى بدأت هذه الرياضة ؟
الأصل في الجري قديماً أنه كان في الطبيعة حيث لم تعبد الطرق والمسارات إلا في العصور المتأخرة، ولهذا لا غرابة عندما نقول إنه يعود إلى جذور قديمة في تاريخ البشرية، حيث كان الجري عبر التضاريس الطبيعية وسيلة للبقاء، سواء للصيد أو الهروب من الخطر، كما يظهر في ممارسات شعوب مثل قبيلة (تاراهومارا) في المكسيك، التي اشتهرت بقدرتها على الجري لمئات الكيلومترات عبر الجبال للصيد، والتواصل، هذه القدرة التي وصفها كريستوفر ماكدوجال في BORN TO RUN، تظهر أن الجري على المسارات لم يكن مجرد رياضة، بل جزءا من الحياة ذاتها.
أما بالنسبة لها كونها رياضة تنافسية، فقد بدأ الجري على المسارات الطبيعية يتشكل في أوروبا وأمريكا الشمالية خلال القرن التاسع عشر، مع ظهور سباقات الجري عبر الحقول (CROSS COUNTRY) كجزء من تدريبات العدائين، لكن التحول الحقيقي حدث في القرن العشرين، حين بدأت السباقات الطويلة(ULTRAMARATHONS) تأخذ طابعا رسميا على مسارات طبيعية.
كيف تطورت سباقات هذه الرياضة في العالم؟
في عام 1921، أقيم سباق COMRADES MARATHON في جنوب إفريقيا، وهو أحد أقدم السباقات الطويلة في العالم (89 كم تقريبا)، والذي يُجرى على طرق ومسارات متنوعة، مما مهد الطريق لتطور TRAIL RUNNING كرياضة مستقلة.
مع تزايد الاهتمام بالطبيعة واللياقة في أواخر القرن العشرين، برزت سباقات TRAIL RUNNING كفئة خاصة، مدفوعة بروح المغامرة والتحدي، ففي السبعينيات، أسس سباق WESTERN STATES 100 MILES في كاليفورنيا (161 كم) عام 1977، وهو أول سباق ULTRA-TRAIL منظم في أمريكا.
تلاه سباق ULTRA-TRAIL DU MONT-BLANC (UTMB) في شامونيه بفرنسا عام 2003، الذي يمتد لـ 175 كم حول جبل مون بلان عبر فرنسا، إيطاليا، وسويسرا، ويعتبر اليوم أحد أشهر السباقات في العالم وأصعبها، وتديره منظمة UTMB GROUP، والتي أصبحت جهة اعتماد مرموقة يتسابق المنظمون لسباقات المسارات الطبيعية على الحصول على موافقتها وتطبيق اشتراطاتها، جنبا إلى جنب مع الاتحاد الدولي للجري على المسارات الطبيعية (ITRA).
واليوم هناك العشرات من سباقات هذه الرياضة منتشرة في جميع أنحاء العالم ولها حضور لافت، واهتمام بالغ، وتقاطعت مع مصالح الدول التي حرصت على نشر ثقافة الاهتمام بالطبيعة، أو جذب السواح لمساراتها الخلابة، والتي تدر عليها فوائد اقتصادية قوية.
ما هو واقع العالم العربي في هذه الرياضه؟
لم تكن رياضة الجري على المسارات الطبيعية (TRAIL RUNNING) حاضرة بشكل بارز في العالم العربي حتى العقود الأخيرة، رغم أن المنطقة تتمتع بتنوع تضاريسي غني يشمل الجبال، والصحارى، والوديان، والغابات، مما يجعلها بيئة مثالية لهذا النوع من الرياضة.
تاريخيا، حال العرب كغيرهم من الشعوب كان الجري أو المشي في الطبيعة جزءا من حياتهم، سواء للتنقل عبر الصحارى أو الصيد في الجبال، لكنه لم يمارس كرياضة منظمة إلا مع تزايد الوعي مؤخراً باللياقة البدنية وانتشار ثقافة هذه الرياضة عالمياً.
في السنوات الأخيرة، بدأت رياضة الجري في المسارات الطبيعية TRAIL RUNNING تكتسب شعبية في العالم العربي، مدفوعة بمبادرات محلية، واهتمام متزايد من الأفراد والمجتمعات الرياضية.
على سبيل المثال، سباق WADI RUM ULTRA في الأردن، الذي يقام في صحراء وادي رم، يعد أحد أبرز السباقات في المنطقة، حيث يجذب عدائين محليين ودوليين لمسافات تتراوح بين 50 و 260 كم عبر تضاريس صحراوية وصخرية فريدة.
وأيضاً في المغرب، يعتبر MARATHON DES SABLES (ماراثون الرمال) رمزا عالميا، حيث يمتد لـ 251 كم عبر الصحراء الكبرى، وقد شهد مشاركة عدائين عرب بجانب المتنافسين الدوليين.
كذلك، تبرز بعض السباقات في سلطنة عمان، والمملكة العربية السعودية ومصر والإمارات وغيرها، والتي أدرج أغلبها ضمن سلسلة UTMB WORLD SERIES، مما يعكس تكامل المنطقة مع المشهد العالمي لهذه الرياضة.
ماهي فوائد الجري في المسارات الطبيعية؟
يعد الجري على المسارات الطبيعية (TRAIL RUNNING) أكثر من مجرد نشاط رياضي؛ إنه تجربة شاملة تقدم فوائد متعددة على المستويات البدنية النفسية والاجتماعية تفوق في بعض جوانبها الجري التقليدي على الطرق المعبدة. هذه الفوائد تنبع من التفاعل المباشر مع الطبيعة وتنوع التحديات التي تفرضها التضاريس الطبيعية.
أولاً، الفوائد البدنية: يعزز الجري على المسارات اللياقة القلبية التنفسية بفضل التغيرات في الارتفاع والإيقاع، مما يحسن قدرة الجسم على استهلاك الأكسجين. دراسة نشرت في عام 2017 بـ JOURNAL OF SPORTS SCIENCE & MEDICINE أظهرت أن الجري على التضاريس غير المستوية يزيد من استهلاك الطاقة بنسبة 10-15% مقارنة بالجري على الأسطح المعبدة، مما يعني حرق سعرات حرارية أكثر وتحسين التحمل. كما أن تنوع الأرض -من الصخور إلى الطين- ينشط عضلات أكثر، خاصة في الساقين والجذع، لأنه يتطلب توازنا واستجابة ديناميكية، مما يقلل من مخاطر الإصابات المتكررة الناتجة عن الحركة الرتيبة على الطرق.
ثانياً، الفوائد النفسية: الجري في الطبيعة يحسن الصحة النفسية بشكل ملحوظ. أثبتت أبحاث في ENVIRONMENTTH HEALTH AND PREVENTIVE MEDICINE عام (2019) أن التعرض للبيئات الطبيعية يقلل من مستويات الكورتيزول (هرمون التوتر) بنسبة تصل إلى 20% مقارنة بالبيئات الحضرية. فعندما يركض الفرد بين الأشجار أو على سفح جبل، يشعر بالهدوء والانفصال عن ضغوط الحياة اليومية، مما يعزز التركيز ويقلل من أعراض القلق والاكتئاب. هذا الارتباط بالطبيعة، الذي وصفه كريستوفر ماكدوجال في BORN TO RUN بـ "رقصة مع الأرض"، يمنح شعورا بالحرية والإنجاز.
ثالثاً، الفوائد الاجتماعية: يشجع TRAIL RUNNING على بناء مجتمعات رياضية متماسكة. السباقات والتدريبات الجماعية، تجمع الأفراد من خلفيات متنوعة، مما يعزز التواصل والدعم المتبادل. على عكس الجري على الطرق، حيث يمكن أن يكون الفرد منعزلا، فإن التضاريس الطبيعية غالبا تتطلب التعاون، سواء في مشاركة المعلومات عن المسار أو مساعدة الآخرين في العوائق. هذا الجانب يظهر بوضوح في السباقات التي خضناها في مشاركاتنا الاقليمية أو الدولية.